الغزالي

146

إحياء علوم الدين

وقال الجنيد رحمه الله . أحب للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بثلاث ، وإلا تغير حاله . التكسب ، وطلب الحديث ، والتزويج . وقال : أحب للصوفي أن لا يكتب ولا يقرأ لأنه أجمع لهمه فإذا ظهر أن لذة النكاح كلذة الأكل ، فما شغل عن الله فهو محذور فيهما جميعا المهم السادس : ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة ، وهو المال والجاه أما الجاه : فمعناه ملك القلوب بطلب محل فيها ، ليتوصل به إلى الاستعانة في الأغراض والأعمال . وكل من لا يقدر على القيام بنفسه في جميع حاجاته ، وافتقر إلى من يخدمه ، افتقر إلى جاه لا محالة في قلب خادمه ، لأنه إن لم يكن له عنده محل وقدر لم يقم بخدمته . وقيام القدر والمحل في القلوب هو الجاه ، وهذا له أول قريب ، ولكن يتمادى به إلى هاوية لا عمق لها . ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . وإنما يحتاج إلى المحل في القلوب إما لجلب نفع ، أو لدفع ضر ، أو لخلاص من ظلم فأما النفع فيغنى عنه المال . فإن من يخدم بأجرة يخدم ، وإن لم يكن عنده للمستأجر قدر وإنما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم بغير أجرة وأما دفع الضر فيحتاج لأجله إلى الجاه في بلده لا يكمل فيه العدل ، أو يكون بين جيران يظلمونه ، ولا يقدر على دفع شرهم إلا بمحل له في قلوبهم ، أو محل له عند السلطان . وقدر الحاجة فيه لا ينضبط ، لا سيما إذا انضم إليه الخوف وسوء الظن بالعواقب . والخائض في طلب الجاه سالك طريق الهلاك . بل حق الزاهد أن لا يسعى لطلب المحل في القلوب أصلا . فإن اشتغاله بالدين والعبادة يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع به عنه الأذى ولو كان بين الكفار ، فكيف بين المسلمين ؟ فأما التوهمات والتقديرات التي تحوج إلى زيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب ، فهي أوهام كاذبة . إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض الأحوال . فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه . فإذا طلب المحل في القلوب لا رخصة فيه أصلا . واليسير منه داع إلى الكثير ، وضراوته أشد من ضراوة الخمر ، فليحترز من قليله وكثيره وأما المال ، فهو ضروري في المعيشة . أعنى القليل منه . فإن كان كسوبا ، فإذا اكتسب حاجة يومه فينبغي أن يترك الكسب . كان بعضهم إذا اكتسب حبتين رفع سفطه وقام